حقوق المرأة الموريتانية لا تعني التنكر لقيم الأسرة/عالي ولد أعليوت

ليست كل التصريحات العابرة مجرد آراء شخصية، فبعضها يتجاوز حدود صاحبه ليطرح أسئلة عميقة حول هوية المجتمع وثوابته ومنظومته القيمية، وحين يتعلق الأمر بالأسرة، باعتبارها نواة المجتمع وحصنه الحصين، فإن النقاش يستوجب قدرا أكبر من المسؤولية والتبصر. ومن هذا المنطلق، فإن تصريح النائب منى بنت الدي بشأن عدم إلزام المرأة الموريتانية بخدمة زوجها يستحق وقفة نقدية، لا لمصادرة حقها في إبداء الرأي، بل لمناقشة الفكرة في ضوء أحكام الشرع وأصالة المجتمع الموريتاني.

إن القول بأن المرأة الموريتانية ليست ملزمة بخدمة زوجها يثير سؤالا أعمق من مجرد الخلاف الفقهي حول حدود الواجبات الزوجية: هل نريد أسرة تقوم على المودة والتكامل، أم علاقة يتمسك فيها كل طرف بحقوقه ويتنصل من مسؤولياته؟

لقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فالزواج ميثاق غليظ، لا صفقة تجارية، والأسرة لا تُبنى بمنطق المطالبة بالحقوق وحدها، بل بالتعاون والتراحم وحسن العشرة.

فهل أصبحت خدمة البيت انتقاصا من كرامة المرأة، ورعاية الأبناء عبئا ينبغي التنصل منه؟ إن تدبير شؤون الأسرة ليس مهانة، بل مساهمة أصيلة في بناء الأجيال، مثلما أن النفقة والسعي لتوفير متطلبات العيش مسؤولية عظيمة يتحملها الرجل.

لقد نشأ المجتمع الموريتاني على قيم الدين والمروءة والكرم والشهامة، وكان إكرام المرأة ورعايتها من صميم شيم الرجولة، كما كان تعاونها في شؤون بيتها من مظاهر التماسك الأسري. وهذا عرف اجتماعي أصيل، قوامه التكامل والتقدير المتبادل، لا الإكراه أو الانتقاص من الحقوق.

وليس من الحكمة أن نحول العلاقة بين الرجل والمرأة إلى معركة حقوقية مفتوحة، أو أن نُلبس الخلاف الفقهي ثوب الصراع الاجتماعي بحجة الطموح السياسي. فخدمة الزوجة محل خلاف بين الفقهاء في تفاصيل وجوبها وحدودها، لكن المودة والتعاون والإحسان تظل من أعظم مقاصد الحياة الزوجية.

أما النائب التي تتحدث باسم الشعب، فمسؤوليتها أن تعزز تماسك المجتمع، لا أن تطرح القضايا الأسرية بصيغ قد تُفهم على أنها دعوة إلى التنصل من قيمه الأصيلة، فالسياسة الرشيدة ليست في استثارة الخلافات، وإنما في تقديم خطاب يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم.

إن المرأة الموريتانية لا تحتاج إلى من يضعها في مواجهة أسرتها باسم التحرر، كما أن الرجل الموريتاني لا ينبغي أن يُختزل في كونه ممولا للبيت دون اعتبار لما يتحمله من أعباء ومسؤوليات.

نريد امرأة مكرمة لا مستغلة، ورجلا مسؤولا لا مستنزفا، وأسرة متماسكة لا ساحة للصراع. تلك هي قيم مجتمعنا التي تستحق الدفاع عنها، وذلك هو الإصلاح الذي نحتاج إليه، لا شعارات تربك العلاقة بين الزوجين وتضعف أواصر الأسرة.

إضافة تعليق جديد