
بيان سياسي بشأن المستجدات الوطنية وآفاق الإصلاح
من أجل موريتانيا مستقرة، وديمقراطية راسخة، ودولة قانون وعدالة ومواطنة
تابعت جبهة التدخل السريع لإنقاذ موريتانيا باهتمام بالغ التطورات السياسية الأخيرة، وما حملته من إشارات تستحق التوقف عندها وقراءتها في سياقها الوطني والمؤسسي، بعيدا عن التسرع في الأحكام أو الارتهان للمواقف المسبقة.
وإذ تسجل الجبهة أنها التقطت إشارات إيجابية في توجهات السيد رئيس الجمهورية ووزيره الأول، تجلت، في قراءتها، في إبعاد عدد من الوزراء الذين ارتبط أداؤهم بحالات من التأزيم والاحتقان، والإبقاء على وزراء ارتبطت تجربتهم بالعمل والإنجاز؛ فإنها ترى في هذه المؤشرات فرصة لا ينبغي تبديدها، بل يتعين إخضاعها لاختبار النتائج الملموسة، ومدى انعكاسها على حياة المواطنين، وعلى أداء مؤسسات الدولة، وعلى مناخ الحريات والثقة بين السلطة والمجتمع.
إن الجبهة لا تتعامل مع التحولات السياسية باعتبارها غاية في ذاتها، ولا تقيس الإصلاح بمجرد تغيير الوجوه أو إعادة توزيع المواقع؛ فالعبرة، في نهاية المطاف، ليست بمن غادر الحكومة ومن بقي فيها، وإنما بما إذا كانت هذه التحولات ستؤسس لنهج جديد في الحكم، قوامه المسؤولية والمساءلة، واحترام القانون، والإنصات للمواطنين، ووضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة.
وانطلاقا من هذه الرؤية، تعلن الجبهة أنها ستشرع في تقييم موضوعي ومتأنٍ للأوضاع السياسية والوطنية، ومتابعة ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة من قرارات وممارسات، بما يخدم خير موريتانيا وازدهارها، ويصون وحدتها الوطنية، ويعزز استقرارها على أسس ديمقراطية سليمة، ويكرس دولة المؤسسات والقانون، والعدالة الاجتماعية، والمساواة أمام القضاء، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وتؤكد الجبهة أن أي انفتاح سياسي جاد لا يمكن أن يكتمل بمجرد تحسين الأداء الحكومي، على أهمية ذلك، ما لم يقترن بإرادة واضحة لمعالجة الاختلالات التي أضعفت الثقة العامة، وتوسيع فضاء الحريات، وترسيخ استقلال القضاء، وضمان تكافؤ الفرص، والتصدي للفساد، وإنهاء كل أشكال التمييز والإقصاء، وجعل كرامة المواطن وحقوقه معيارا حقيقيا لنجاح السياسات العمومية.
وفي هذا السياق، تجدد الجبهة مطالبتها بالإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وإنهاء الملاحقات التي تستهدف التعبير السلمي عن المواقف والآراء، وضمان محاكمة عادلة لكل من تُوجَّه إليه تهمة، وفقا للقانون، مع احترام قرينة البراءة والحقوق الأساسية للموقوفين. فالدولة القوية لا تستمد هيبتها من تقييد الحريات، وإنما من عدالة مؤسساتها، ونزاهة قضائها، وقدرتها على استيعاب الاختلاف وإدارته في إطار القانون.
كما تدعو الجبهة إلى فتح صفحة جديدة في العلاقة بين الدولة والمجتمع، قوامها الحوار المسؤول، والانفتاح على القوى السياسية والمدنية، واحترام التعددية، وإشاعة مناخ يتيح للموريتانيين التعبير عن تطلعاتهم ومخاوفهم دون خوف أو تضييق. فالديمقراطية ليست إجراءً انتخابيا معزولا، بل ثقافة سياسية وممارسة مؤسسية وضمانات دستورية تجعل السلطة خاضعة للقانون، وتجعل المواطن شريكا في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقٍّ للقرارات.
وتشدد الجبهة على أن العدالة الاجتماعية ليست شعارا للاستهلاك السياسي، بل التزام وطني يقتضي محاربة الفقر والتهميش، وتكافؤ الفرص في التعليم والصحة والعمل، والتوزيع العادل لثمار التنمية، وحماية الفئات الهشة، وإنصاف المواطنين في جميع أنحاء البلاد، دون تمييز أو محاباة.
إن جبهة التدخل السريع لإنقاذ موريتانيا تمد يدها لكل جهد صادق يستهدف الإصلاح، لكنها تحتفظ بحقها الكامل في النقد والتقييم والمساءلة. وهي لا تمنح صكوكا مسبقة لأي سلطة، كما لا تتبنى الرفض المطلق لكل مبادرة؛ بل تجعل من المصلحة الوطنية، وحقوق المواطنين، واحترام الدستور والقانون، وصدق الالتزام بالإصلاح، معاييرها الثابتة في الحكم على السياسات والمواقف.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة ستكون، بالنسبة إلى الجبهة، مرحلة ترقب واعٍ وتقييم مسؤول، تُقاس فيها المواقف بآثارها، والوعود بما يتحقق منها، والإشارات بما تفضي إليه من تغييرات فعلية. فإذا ترجمت المؤشرات الإيجابية إلى إصلاحات ملموسة، وانفتاح ديمقراطي حقيقي، واحترام للحريات، وإنصاف للمظلومين، فستجد الجبهة في ذلك ما يستحق التقدير والتفاعل الإيجابي. أما إذا بقيت التحولات في حدود التغييرات الشكلية، دون معالجة جوهر الاختلالات، فإن واجبها الوطني سيظل يقتضي قول الحقيقة ومواصلة المطالبة بالإصلاح.
إن موريتانيا أكبر من الأشخاص والمناصب، وأبقى من الحكومات المتعاقبة، وأحق من أن تظل رهينة التجاذبات والمصالح الضيقة. ومستقبلها لا يُصنع بإدارة الأزمات وتأجيل الاستحقاقات، بل ببناء دولة عادلة، قوية بقانونها، متماسكة بوحدة مواطنيها، ومحصنة بالحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
حفظ الله موريتانيا، وصان وحدتها وكرامة شعبها، ووفق أبناءها إلى ما فيه الخير والعدل والازدهار.
جبهة التدخل السريع لإنقاذ موريتانيا
بروكسل بتاريخ: 13 اكتوبر 2026






إضافة تعليق جديد