
تندرج زيارة فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى ولاية آدرار، على غرار زياراته لبقية ولايات الوطن، في إطار تعزيز التواصل المباشر مع المواطنين، والاطلاع ميدانيا على مشاكلهم وانشغالاتهم وتطلعاتهم، غير أن تحقيق هذه الأهداف لا يتوقف على وضوح الغايات المعلنة فحسب، بل يتطلب أيضا حسن الإعداد والتنظيم، والتوظيف الأمثل للإمكانات البشرية والمادية المتاحة.
وتتوزع متطلبات إنجاح هذه الزيارات بين مسؤوليات رسمية تتعلق بتأمين الرئيس، وحسن الضيافة، وتنسيق الجهود بين الإدارة والجهات السياسية، وبين جهود شعبية تتصل بتنظيم الاستقبال، وتسهيل مشاركة المواطنين، وضمان تمثيل مختلف المناطق والمكونات المحلية في اللقاءات المخصصة لعرض انشغالاتهم.
بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة
يمكن القول إن زيارة رئيس الجمهورية لولاية آدرار حققت نتائج إيجابية معتبرة، خاصة على مستوى الحضور الشعبي والتواصل المباشر، فالهدف الأساسي من هذه الزيارات ليس مجرد الحشد والاستقبال، وإنما تقريب المسافة بين القيادة والمواطن، وإتاحة الفرصة أمام هذا الأخير لعرض مشكلاته وتطلعاته بصورة مباشرة.
ولا شك أن رئيس الجمهورية مطلع، من خلال التقارير الإدارية والأمنية، على جانب مهم من أوضاع المواطنين، غير أن الوقوف الميداني على مشكلاتهم والاستماع إليها من أصحابها يتيح استكمال الصورة، والتحقق من طبيعة الإشكالات المطروحة، واكتشاف ما قد لا تنقله التقارير بالقدر الكافي من الدقة والوضوح.
ومن هنا، تبرز أهمية حسن استغلال الوسائل المتاحة، إذ ينعكس التنسيق الجيد والتدبير الحكيم إيجابا على النتائج، بينما يؤدي ضعف التنظيم أو اختلال توزيع الأدوار إلى إهدار الجهود والإمكانات، لذلك، فإن تثمين جوانب النجاح والإشارة إلى مواطن القصور ينبغي أن يكونا مدخلا لاستخلاص الدروس وتحسين الأداء مستقبلا.
وفي هذا السياق، يستحق والي آدرار، السيد عبد الله ولد محمد محمود، الإشادة بما أظهره من حسن إشراف وتنسيق وتدبير، إلى جانب الدور الذي اضطلع به رجال أعمال الولاية، ونخبها السياسية، ومختلف مكوناتها الشعبية والاجتماعية.
استقبال أطار: حشد شعبي وحضور روحي متميز
تميّز استقبال رئيس الجمهورية في مدينة أطار بحضور شعبي كثيف عكس حجم التعبئة ومستوى الاهتمام بالزيارة، غير أنه لم يخل من بعض الاختلالات التنظيمية، ولا سيما في ترتيبات الدخول إلى المطار، حيث لوحظت مظاهر من الفوضوية والمحسوبية، بما يستدعي مراجعة الإجراءات المعتمدة تفاديا لتكرارها مستقبلا، كما كان من شأن اعتماد ترتيبات تنظيمية وبروتوكولية أكثر إحكاما أن يسهم في إبراز الحجم الحقيقي للحشد الشعبي خلال المهرجان الذي ترأسه فخامة رئيس الجمهورية في أطار، وأن يعكس بصورة أدق مستوى المشاركة الشعبية في هذه المناسبة.
وفي مقابل ذلك، برز الحضور اللافت لجماعة أصحاب الشيخ، مريدي الشيخ محمد الأمين ولد سيدينا بمعدن العرفان، الذين أضفوا على الاستقبال طابعا روحيا خاصا من خلال الذكر والابتهالات والمدائح النبوية، في مشهد امتزجت فيه حرارة الاستقبال بصفاء الوجدان، وعكس الخصوصية الروحية للجماعة.
ولم يكن هذا الحضور مجرد مشاركة عددية في جموع المستقبلين، بل حمل بعدا رمزيا مستمدا من هوية الجماعة وقيمها، في مشهد استرعى انتباه الحاضرين ولفت نظر رئيس الجمهورية خلال مروره بين المستقبلين.
أوجفت: نموذج للتعبئة والتنسيق المحلي
أما محطة مقاطعة أوجفت، فقد تميزت بحسن الاستقبال وكرم الضيافة والانضباط والتنظيم، ويعود ذلك، في المقام الأول، إلى جهود الإدارة المحلية في الإشراف والتنسيق والتسهيل، وإلى المشاركة الفاعلة لأطر المقاطعة ورجال أعمالها ووجهائها، وما قدموه من دعم مادي ولوجستي، فضلا عن الحضور الشعبي الواسع.
كما أسهم بعض رجال أعمال الولاية، ومن بينهم السيد محمد ولد انويكظ، في الدعم المادي لجهود الإعداد والتعبئة، ولا يقل أهمية عن ذلك الدور الذي اضطلعت به الجماعات السياسية والروحية والتقليدية في مختلف أنحاء المقاطعة، من خلال الحشد، وتوفير وسائل النقل، وحسن تنظيم وكرم الضيافة، وتسهيل مشاركة المواطنين.
وفي خضم هذه التعبئة الواسعة، برزت جماعة أصحاب الشيخ القادمة من معدن العرفان ومن مناطق مختلفة من الوطن، بحضورها المتميز ومشاركتها المتواصلة في مختلف مراحل الزيارة، وقد جمعت مشاركتها بين الحشد الشعبي والطابع الروحي والوجداني، بما يعكس خصوصية الجماعة وارتباطها بقيمها الدينية والاجتماعية وانسجامها مع وتوجه وتوجيهات القيادة الوطنية.
كما انفردت الجماعة بتنظيم حشد جماهيري كبير لتوديع رئيس الجمهورية عند مغادرته مقاطعة أوجفت، في مبادرة لاقت استحسان الجميع، وأضفت على لحظة الوداع بعدا رمزيا تجاوز مجرد الحضور إلى التعبير عن التقدير والارتباط الوجداني بالمناسبة.
وهكذا، فإن حضور جماعة أصحاب الشيخ لم يقتصر على ملء ساحات الاستقبال، بل امتد إلى مختلف مراحل الزيارة، جامعا بين القدرة على التعبئة الشعبية والتميز في التعبير عن الهوية الروحية لمعدن العرفان.
ملاحظات تستحق المراجعة واستخلاص الدروس
على الرغم مما سجلته الزيارة من جوانب إيجابية، فإن بعض الملاحظات تظل جديرة بالتوقف عندها، لا انتقاصا من الجهود المبذولة، وإنما حرصا على تطوير أساليب التنظيم وتعزيز فرص التواصل الفعلي بين رئيس الجمهورية والمواطنين.
أولا: محدودية مشاركة السكان المحليين في المداخلات.
من أبرز الملاحظات ما طبع اللقاء المخصص للأطر من حضور بارز لمداخلاتهم، مقابل محدودية الفرصة المتاحة للسكان المحليين للتعبير المباشر عن انشغالاتهم، ولعل تسميته «لقاء رئيس الجمهورية بالسكان المحليين» كانت ستكون أكثر انسجاما مع الغاية المعلنة، بما يتيح للمواطنين عرض مشكلاتهم وتطلعاتهم دون وساطة.
فالأطر، على أهمية أدوارهم وخبراتهم، لا يعيشون بالضرورة الظروف المعيشية نفسها التي يعيشها السكان في القرى والتجمعات المحلية، وقد تحول بعض الاعتبارات دون نقل المشكلات الملحة بكل تفاصيلها، لذلك، فإن إعطاء الأولوية للمداخلات المحلية من شأنه أن يجعل اللقاء أكثر تعبيرا عن الواقع، وأقرب إلى الهدف الذي نظمت من أجله هذه الزيارة.
ثانيا: تأثير التنافس السياسي في التنظيم والتمثيل.
من الملاحظات الأخرى حضور بعض مظاهر التنافس السياسي في ترتيبات الزيارة، بما انعكس على التنسيق والحشد، وأثار تساؤلات بشأن عدالة التمثيل وإتاحة الفرص أمام مختلف المناطق والمكونات المحلية.
ويبرز في هذا السياق عدم إتاحة الفرصة لعاصمة بلدية معدن العرفان للمشاركة في المداخلات أمام رئيس الجمهورية، رغم وزنها الشعبي ومكانتها الاقتصادية ودورها في إنجاح الزيارة، وهي ملاحظة تستدعي التأكيد على ضرورة اعتماد معايير واضحة ومتوازنة لاختيار المتدخلين، تضمن تمثيل مختلف المناطق والتجمعات، بعيدا عن اعتبارات النفوذ والتنافس السياسي.
فالزيارات الرئاسية، بما تمثله من مناسبات وطنية جامعة، ينبغي أن تكون فضاء للإنصات إلى الجميع، لا مجالا لتفاوت فرص التعبير أو تغليب طرف على آخر، كما أن التنافس، حين يتجاوز حدوده الطبيعية، قد يضعف التنسيق ويصرف الجهود عن الغاية الأساسية، وهي خدمة المواطن وإيصال صوته إلى مواقع القرار.
نحو زيارات رئاسية أكثر فاعلية وأقل كلفة
إن تجربة زيارة رئيس الجمهورية إلى آدرار تفتح الباب أمام نقاش أوسع بشأن طبيعة الزيارات الرئاسية والوسائل الأنسب لإنجاحها، ومدى الحاجة إلى الحشد الشعبي المكثف وما يترتب عليه من نفقات وأعباء.
ومن وجهة نظري، آن الأوان لمراجعة بعض الممارسات المصاحبة لهذه الزيارات، ولا سيما استنفار الأطر والوجهاء ورجال الأعمال، وتسخير قدر معتبر من الوقت والمال والجهد في التعبئة والاستقبال، على حساب مصالحهم العامة والخاصة، دون مردود يتناسب دائما مع حجم الموارد المستثمرة.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة المشاركة الشعبية أو الانتقاص من حق المواطنين في استقبال رئيس الجمهورية والتعبير عن تقديرهم له، وإنما الدعوة إلى التمييز بين المشاركة الطوعية التي تنبع من قناعة المواطنين، والحشد الذي قد يتحول إلى عبء إداري واقتصادي واجتماعي، أو إلى مناسبة للتنافس السياسي واستعراض النفوذ.
فالزيارات الرئاسية يمكن أن تحقق أهدافها دون الحاجة إلى هذا الحجم من التعبئة، من خلال تنظيم لقاءات مباشرة مع السكان، وإتاحة الفرصة لممثلين عن مختلف القرى والبلديات والفئات الاجتماعية، وإعداد جدول واضح للمداخلات، وتوثيق المطالب ومتابعة ما يُتخذ بشأنها من قرارات.
كما أن ترشيد النفقات والجهود المصاحبة من شأنه أن يتيح توجيه الموارد نحو الأولويات التنموية، بدلا من استهلاكها في مظاهر احتفالية يمكن الحد منها دون المساس بجوهر الزيارة أو مكانة رئيس الجمهورية.
حسن الإنصات وسرعة التجاوب مع تطلعات المواطنين
ومن أبرز مظاهر نجاح الزيارة، حسن إنصات رئيس الجمهورية لانشغالات المواطنين وتفاعله الإيجابي مع مطالبهم وتطلعاتهم، فضلا عن سرعة التجاوب والشروع في إنجاز التعهدات المعلنة، حيث بدأ تنفيذ بعضها، فيما باشرت لجان مختصة دراسة البعض الآخر تمهيدا لاتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها.
خاتمة: من نجاح الاستقبال إلى أثر التنمية
لقد كشفت زيارة رئيس الجمهورية إلى آدرار عن جوانب إيجابية تستحق التثمين، في مقدمتها جهود الإدارة المحلية، وتفاعل مختلف الفاعلين، والحضور الشعبي الواسع، وما أظهرته مكونات المجتمع من استعداد للمشاركة في إنجاح الزيارة، كما أظهرت، في المقابل، أهمية معالجة بعض الاختلالات التنظيمية، وتعزيز عدالة التمثيل، والحد من تأثير التنافس السياسي في فرص التواصل مع المواطنين.
فإذا كان الاستقبال الناجح يعكس مستوى التعبئة والاهتمام، فإن النجاح الحقيقي يظل رهينا بجودة الإنصات، والإنصاف في تمثيل المواطنين، وما تفضي إليه اللقاءات من حلول عملية ومكاسب تنموية ملموسة.






إضافة تعليق جديد