يا يحيى خذ الزراعة بقوة ...! / يحيى بن بيبه

الوزير في بلادنا يعزل أو يموت،لكنه لا يستقيل.
عند التعيين تتسابق إليه جموع المهنئين، وعند العزل تندفع إليه أفواج المعزين.
إننا في البلاد السائبة، ننظر إلى الوزارة (كأسيكه)، أو (كلحمة لخريف، أمدق منها وأعط الصاحبك يمدق).
أما فرص النجاح والفشل في المنصب الحكومي فلا محل لها من الإعراب في تفكير مسئولينا.
وإذا كان من سبيل إلى تحكيم معيار فرص النجاح والفشل فثمة قطاع جدير بالمعين عليه أن يعزى، وحري بالمعزول عنه أن يهنأ، إنه قطاع الزراعة، وما أدراك ما الزراعة؟
لقد ظلت الزراعة في بلادنا ،على مدى سنوات عدة ،مستنقع الفشل المزمن، وصراطا للوزراء الفاشلين، وهو ما يدل عليه دلالة واضحة تعاقب أربعة وزراء على هذا المنصب، خلال أقل من أربع سنوات، في إدراك حكومي واضح للمأزق الذي يسببه للحكومة التخبط في السياسات الزراعية.
وإذا كان لنا من نصيحة نقدمها لسمينا، وزير الزراعة الحالي فهي: الاستقالة..! الاستقالة..!
فوزير مستقيل بشرفه، خير من وزير مقال بفشله.
فليس شرطا أن تكون وزيرا لتكون محترما في مجتمعك، فقبل سنوات أصدر الرئيس السنغالي ماكي صال تعليمات، داخل مجلس الوزراء، لوزيره المكلف بالطاقة قائلا:
بصفتي رئيسا للجمهورية، وبالنظر إلى بعض الاعتبارات السياسية في العلاقات بين الدول، آمرك أن تسند هذا العقد المتعلق بالغاز إلى الشركة الفرنسية.
فرد عليه الوزير غير المقتنع بتقديرات الرئيس: وأنا بصفتي وزيرا للطاقة، مكلفا بالدفاع عن مصالح شعبي في هذا القطاع، أقدم لكم استقالتي ...!
وقبل هذا بعقود كانت أكبر أزمة خلاف بين الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وأقرب أصدقائه إليه، محمد حسنين هيكل، تعيين الرئيس لهيكل وزيرا للإعلام، بينما أصر الكاتب أنه لا يريد أن يعين وزيرا، وأن لقبه الصحفي أفضل عنده من لقب "معالي الوزير".
أما عن مبررات نصيحتنا "الثقيلة" للوزير يحيى بن أحمد الواقف، فهي أننا نضن به عن الفشل الذي مازالت عوامله مهيمنة على القطاع، وهي نصيحة قدمناها في مناسبة سابقة لمن قبله.
 (انظر مثلا على جوجل، مقالنا: القطاع الزراعي ينهار على رأس بنت أممه)
فالإرادة السياسية لإجراء هيكلة جذرية للقطاع ،غائبة أو ضعيفة . كما أن شروط تحقيق نهضة زراعية تنتشل موريتانيا من موقعها الزراعي في ذيل دول غرب إفريقيا، معدومة، برغم الزيادة المحدودة في ميزانية الزراعة. فالقطاع ما يزال من دون تمويل أو تأمين أو دعم حكومي ذي مصداقية.
وما تزال شبكات الفساد تتحكم في الصفقات المتعلقة به، ومهندسو الفشل الزراعي الذين ألقوا ببلادنا في موقعها المثير للشفقة بين دول غرب افريقيا مازالوا يتحكمون في مفاصل الوزارة ،يتدرعون بتقارير زراعة الكذب التي تسمح باستمرار مأساة فشلنا الزراعي الذي جعل منا دولة نشازا في هذه القارة، التي أطلقت دولها حتى الآن ستة وأربعين صاروخا لغزو الفضاء، بينما لا تزال بلادنا عاجزة عن إطلاق خطة زراعية واحدة ناجحة لغزو بطون جياعها.
وما تزال زراعتنا المروية تتم بآليات ضئيلة متهالكة ،انتهى العمر الافتراضي لأغلبها منذ سنوات كثيرة.
أما زراعتنا المطرية فما تزال بدائية، تتم من دون حرث أو تسميد أو ري تكميلي.وتستخدم فيها بذور بدائية مجهولة التراكيب الوراثية.
فهل يستطيع ابن الواقف أن يتصدى لكل هذه التحديات، إن أبى إلا التمسك بلقب " معالي الوزير" ،أم أن "سحرة فرعون" من حوله سيزينون له الإبداع في زراعة الكذب  ،متى عجز عن النجاح في زراعة الأرض؟.
وإن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، سواء أسرها في نفسه، أو أبداها لحكومته.

 

بقلم: يحيى بن بيبه
رئيس رابطة التطوير والتنويع الزراعي 
ومدير مركز الإحسان للتهجين الحيواني 
 [email protected] 

 

إضافة تعليق جديد