التسول من أجل مبررات وجود الدولة / محمد الأمين سيدي بوبكر

في بلد ظل إلى عهد قريب جل سكانه فقراء لا يستطيعون ضربا في الأرض، لكن، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا.

 

أصبحت شريحة كبيرة من سكانه متسولة من غير حاجة ظاهرة على الأقل؛ ففي كل شارع بنواكشوط وبعض المدن الداخلية يوجد متسولون وكل مسجد وكل سوق وحتى كل مؤسسة عامة وخاصة.

 

لم يعد التسول في بلد لا يتجاوز تعداد سكانه أربعة ملايين ونصف، يعيش أكثر من نصف مليون منهم في الخارج، حكرا على المسنين والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة، بل تعداهم إلى الأطفال والشباب من مواطنين وأجانب.

 

صحيح أن زهاء 31%‎ من سكان البلد يعيشون تحت خط الفقر، وزهاء 37‎%‎ من شبابه تسحقهم البطالة، لكن التسول زاد عن المعقول، فلا الوازع الديني ولا الموروث الشعبي عادا قادريْن على التخفيف من انتشار الظاهرة من شدة الحاجة وحب التكسب معا.

 

فقبل نشأة الدولة المركزية وحتى بعدها مر الناس في هذه الربوع بظروف صعبة، وكان بعضهم يغزوا ويتلصص على بعضهم من الحاجة أحيانًا وحب التسلط أحايين أخرى، كما كان بعضهم يحنوا على بعضهم ويتقاسم معه لقمة عيشه، لكن لا يتسولون إلا لماما.

 

واليوم وبعد بضع وستين عاما من نشأة الدولة، ورغم كل السياسات الحكومية والبرامج الدولية، يعد الغذاء، والدواء، والسكن، أهم دوافع التسول - المعلنة - لأغلب المتسولين على الأراضي الموريتانية من مواطنين ولاجئين، بالإضافة إلى ذوي الاحتياجات الخاصة، والمتكسبين بالتسول، وهي نفسها مبررات وجود الدولة، أو من آكدها على الأقل؛ فإما أن تكون أو لاتكون.

 

"فماذا جرى للأرض؟" على لغة الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، و"إلى متى ستظل البرامج الحكومية والتمويلات الدولية تثمر منازل وقصورا فارهة في نواكشوط وعواصم العالم؟" يتساءل بعض المهتمين بالشأن العام الموريتاني.

 

من نافلة القول إن الدولة قامت في السنوات الأخيرة بتنفيذ العديد من البرامج والسياسات في المجال الاجتماعي للحد من الفقر والهشاشة، لكنها ليست كافية، وإن كان بعضها لم يأت بعد أكله؛ كبرنامج السكن الاجتماعي.

 

ومن الضرورة بمكان، لزيادة جدوائية البرامج الاجتماعية الحكومية، والقضاء وبشكل عاجل على الفقر المدقع، وما يعكسه من مظاهر مشينة، ودخيلة على مسلكيات المجتمع الموريتاني، كـ"التسول" اعتماد البرامج الاستعجالية التالية:

- برنامج عاجل وشامل للتكفل بالمرضى من ذوي الدخل المحدود، وتأمين الرعاية الصحية اللازمة لهم وتوفير الأدوية الضرورية بشكلٍ مجاني منتظمة وغير معقد؛ فلا شيء أهم من صحة المواطن، ومن غير اللائق ولا المسؤول أن يلجأ مواطن في كنف دولة في القرن الواحد والعشرين إلى التسول من أجل العلاج، إن لم تكن لديه قبيلة تتحمل عنه مصاريف العلاج.

- فتح بنك غذاء لتأمين الوجبات الرئيسية لكل المعوزين في ربوع الوطن؛ فلا مبرر أبدا لوجود مواطنين يتسولون من أجل الحصول على ما يسدون به رمقهم.

- فتح مآوي للمشردين من مواطنين، وملاجئ للاجئين أو إعادتهم إلى ملاجئهم، فلا معنى لأن يعيش مواطنون التشرد داخل وطنهم ولا أن يشوه لاجئون المظهر الحضاري لبلد يستضيفهم لمجرد رغبتهم في الخروج من ملاجئهم لامتهان التسول في الشوارع.

- وضع برنامج لإعادة تأهيل المتسولين - القادرين بدنيًا - ودمجهم في الحياة النشطة، بتوظيف طاقاتهم الحية فيما ينفع الناس ويمكث في الأرض، ويضمن لهم مصدر عيش كريم.

 

ختامًا، الدولة لا تنقصها الموارد، بل تنقصها الإرادة وتغليب المصالح العامة على الخاصة، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب؛ وإلا فكيف لشعب يملك كل هذه الأراضي الخصبة التي نملك، وكل هذه الثروات السمكية والحيوانية والمعدنية، أن يعيش ثلثه تحت خط الفقر، وأن تعاني قرابة 37%‎ من أبنائه البطالة.

 

ولم لاتأخذ الدولة زمام المبادرة و"تؤمم" كل الأراضي الخصبة غير المستغلة، وتنشئ مؤسسة أو مؤسسات عمومية لزراعتها، وبالتالي تحقق الاكتفاء الذاتي وتخلق فرص عمل للشباب، أو حتى توجه بعض الوحدات العسكرية لزراعة الأراضي الخصبة لإخراج البلاد من هذا الواقع غير المرضي، ويعرف الشعب قيمة الزراعة، فالأمن الغذائي لا يقل أهمية عن أمن الحوزة الترابية بل دعامة أساسية من دعائمه، وبالتالي منع التسول بالقضاء على أسبابه الرئيسية.